الراغب الأصفهاني
309
الذريعة إلى مكارم الشريعة
هابة في الهواء ، وأما المبصرات فخيالات صائرة إلى الفناء « 1 » ) وقد ذكر اللّه تعالى أصل ذلك في قوله تعالى : زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا « 2 » والمشار إليه بحرث الدنيا إلى هذه الأشياء السبعة على ما ذكرناه عن عليّ كرم اللّه وجهه ، والعشرة على ما ذكره غيره وكلا القولين في التحصيل واحد والمراد بالنساء اقتناؤهن والاستكثار منهن وبالبنين الذكور من الأولاد والحفدة والخدم ، وبالأنعام الأزواج الثمانية وبالخيل المسومة السائمة منها والمستعد واعلم أن الذي هو ضرورة للإنسان من هذه اللذات ولا قوام له في هذه الدنيا إلا به ما هو مشترك بينه وبين جنسه من الحيوان من المأكل والمشرب ويجمعهما اسم الغذاء والمنكح ، فبالغذاء بقاء الأشخاص وبالنكاح بقاء الأنواع ولذلك صارت الحاجة إليهما ضرورية وصار تناولهما لا بد منه ، وسائر اللذات مخصوص بها الإنسان وليس بضروري له ويتناوله بفكرة ، وتأنف الملوك من هذه الملاذ إلا اثنتين السماع لكونه من وجه لذة روحانية والبناء لكونه دالا على الهمة الرفيعة ، ومتى كانت الشهوة متناهية عقلية كانت أم بدنية يقال لها الحرص ، فقط والحريص قد يكون محمودا ولذلك قال تعالى : حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ « 3 » ومتى كانت الشهوة للقنيات قيل لها الشره سواء كان مالا أو طعاما أو نكاحا ، ومتى كانت للطعام قيل لها النهم فإذا كانت للنكاح قيل لها الشبق ، وثلاثتها أعني الشبق والنهم والشره مذمومة وما روي من قوله عليه السّلام : « منهومان لا يشبعان منهوم بالمال ومنهوم بالعلم » « 4 » فالنهم في العلم
--> ( 1 ) لم أقف على هذه العبارة من كلام الإمام عليّ في أي من مظانه . ( 2 ) آل عمران / 14 . ( 3 ) التوبة / 128 . ( 4 ) رواه الدارمي في سننه عن طاووس عن ابن عباس بلفظ « منهومان لا يشبعان -